عبارةٌ تتردّد مع ذكرى الثالث عشر من يناير، ذكرى الحرب التي مزّقت جنوب اليمن عام 1986، ولا تزال تعصر الذاكرة حتى اليوم. تعود العبارة كطقسٍ موسمي، تختفي حين تستقرّ موازين القوة، وتُبعث من جديد بعد كل هزيمة.
قبل أعوام، على ماظن،2007، رُفع الشعار ذاته في مهرجانٍ صاخب لم يدم سوى ساعات. تعانق “الرفاق” أمام الكاميرات، ثم انفضّ المهرجان، وعاد الناس إلى حياتهم وهم يعتقدون أن الصفحة قد طُويت. لكن الحقيقة أن الجرح لم يُفتح أصلًا كي يُغلق؛ بل ظلّت الصفحة مفتوحة، تُضاف إليها مع كل صراعٍ طبقاتٌ جديدة من الألم.

لاحقًا، توالت النزاعات مع تغيّر موازين القوى. ومع كل تحوّل، ترتفع الأصوات ذاتها، وتُستعاد العبارة نفسها: التصالح والتسامح.
ويتساءل المرء:
لماذا لا تُستدعى هذه العبارة إلا بعد الأزمات؟
ولماذا تُنسى تمامًا حين يُستتبّ الأمر؟
سؤالٌ يتكرّر بلا إجابة.

التصالح الحقيقي ليس شعارًا ظرفيًا، ولا طقسًا احتفاليًا، ولا صورةً عابرة. هو عمليةٌ شاقة، تشبه الجراحة الكبرى. يحتاج إلى دراسةٍ عميقة تقودها عقولٌ محايدة، لتفكيك الأسباب منذ الاستقلال، وفهم النتائج، وقياس حجم الألم. يحتاج إلى إنصاف الضحايا، وتعويض المتضرّرين، والى عدالة انتقالية وبناء ذاكرةٍ جماعيةٍ صادقة، حتى لا تتكرّر المأساة.

تغيير الغطاء لا يشفي المرض.
والجرح الذي لا يُنظَّف، يتعفّن وينتشر.
ولهذا ظلّ الجنوب اليمني يعاني، وسيظلّ يعاني، ما لم تُفتح الذاكرة بصدق، ويُستخرج قيحها، ثم تُضمَّد بوعيٍ وعدالة.

وهنا، لا بد من التوقف عند تجارب الشعوب الأخرى،  للتعلّم.
جنوب أفريقيا، مثلًا، خرجت من واحدة من أكثر تجارب القهر والعنصرية وحشية. نيلسون مانديلا قضى سبعةً وعشرين عامًا في السجن، وحين خرج من سجنه،  خرج ليقود بلاده في لحظةٍ فارقة من تاريخها.
كان بإمكانه أن ينتقم.
أن يبحث عن جلّاديه.
أن يملأ السجون بمن آذوه، أو أن يفعل كما يفعل “الرفاق” حين يستعيدون السلطة.
لكنه لم يفعل.

حوّل مانديلا التسامح إلى مشروع دولة، ولا يمكن فهم مصالحة جنوب أفريقيا دون ذكر القسّ ديزموند توتو، الذي قاد لجنة الحقيقة والمصالحة على قاعدة «الاعتراف مقابل العفو». لم تكن المصالحة هناك نسيانًا أو مجاملة، بل مواجهةً مؤلمة مع الحقيقة. وما زال مشهد توتو، وهو يبكي جامعًا البيض العنصريين بالسود في قاعة واحدة، حيًا في الضمير العالمي؛ لأنه جسّد المعنى الحقيقي للمصالحة: اعترافٌ قبل غفران، وحقيقةٌ قبل سلام.
وأُسِّس هذا المسار عبر لجنة الحقيقة والمصالحة بوصفها إطارًا مؤسسيًا لمواجهة الماضي، قائمًا على الاعتراف بالحقيقة، وتحمل المسؤولية الأخلاقية، وفتح باب الغفران الواعي.
وهنا يكمن الفارق الجوهري:
التسامح لا يُعلن في لحظة الهزيمة، ولا يُستدعى القصاص عند النصر.
التسامح الحقيقي يحتاج إلى شجاعةٍ تفوق شجاعة حمل السلاح.

وما لم نستوعب هذا الدرس، سنظلّ أسرى حلقةٍ مفرغة. ستعود الذكرى كل عام شاهدًا على ألمٍ متجدّد، وستُرفع العبارة ذاتها بعد كل صراعٍ جديد، فاترةً كشعارٍ مبتذل، لتُكذَّب بالواقع مرةً بعد أخرى، جيلًا بعد جيل. وسنورّث أبناءنا لا وطنًا يُبنى، بل سجلًا دامـيًا من الانقسامات والأشباح؛ ذكرى ثقيلة يحملونها، لا تاريخًا يُستلهم منه… ولا وطنًا يُحتمى به