هل يمكن نقل الجنوب من الخصومة إلى التوافق ؟
نحن اليوم أمام لحظة سياسية فارقة، تستدعي وقفة مراجعة صادقة، لا من باب الخصومة أو التشهير، بل من باب المسؤولية الوطنية تجاه الجنوب ومستقبله. فالمشكلة لم تعد في اختلاف المواقف بقدر ما أصبحت في طريقة إدارة الاختلاف، وفي الإصرار على احتكار الصواب وفرضه على الجميع.
من حق أي طرف أن يبحث عن تحالفات تخدم قضيته، لكن هذا الحق لا يمكن أن يكون امتيازا حصريا لفريق دون آخر. كما لا يصح أن يُدان الآخرون اليوم على خيارات، كانت بالأمس تُمارس وتُبرَّر وتُقدَّم باعتبارها “مصلحة وطنية عليا”. السياسة لا تُدار بازدواجية المعايير، ولا تُبنى على ذاكرة انتقائية.
لقد شهد الجنوب، خلال السنوات الماضية، تحالفات خارجية رُفعت أعلامها علنا، وجرى الدفاع عنها باعتبارها ضرورة مرحلية. وفي المقابل، لم يكن النقد الموجَّه آنذاك محل ترحيب، بل جرى تخوين كل من حذّر من مخاطر الارتهان للخارج أو من توظيف الدعم الخارجي في فرض الهيمنة وإقصاء الشركاء.
اليوم، ومع تبدّل التحالفات وتغيّر المصالح، يُطلب من الجميع الاصطفاف مجددا، وكأن ما سبق يمكن تجاوزه دون نقاش أو مساءلة. وهنا تكمن المعضلة: لا يمكن بناء اصطفاف جديد دون الاعتراف بأخطاء المرحلة السابقة، ودون مصارحة الناس بحقيقة ما جرى من صراعات داخلية وانتهاكات أضعفت النسيج الجنوبي وعمّقت الانقسام.
إن كثيرا من الأصوات المعارضة اليوم لم تنشأ من فراغ، بل تشكّلت من تجارب قاسية، ومن شعور بالتهميش والإقصاء، ومن قناعة بأن الجنوب لا يمكن أن يُدار بمنطق الغلبة، ولا يُبنى بمشروع جماعة، بل برؤية جامعة تعترف بالتعدد، وتحترم الاختلاف، وتحتكم للحوار والقانون.
لسنا في لحظة كسر عظم، بل في لحظة اختيار: إما الاستمرار في إنتاج الأزمات نفسها بأدوات جديدة، أو الشروع في مراجعة شجاعة تفتح الطريق أمام شراكة سياسية حقيقية، تُنقذ الجنوب من دورات الصراع، وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة العادلة، دولة النظام والقانون، لا دولة النفوذ والسلاح.
هذا الخطاب ليس ضد أحد، بقدر ما هو دعوة للجميع: لنفتح نقاشا سياسيا واسعا، بلا وصاية ولا تخوين، نعيد فيه تعريف الشراكة، ونضع مصلحة الجنوب فوق كل اعتبار، قبل أن تفرض علينا الوقائع خيارات لا نملك بعدها حق الاعتراض.