وسط خلافات وتباينات سياسية وعسكرية .. هل تقود مواجهات اليمن إلى مصالحة وتقارب بين الشرعية والإنتقالي؟
صوت عدن / سبوتنيك :
تتباين التقديرات بشأن إمكانية أن تدفع التطورات العسكرية في اليمن نحو تقارب بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي في ظل استمرار الخلافات السياسية والعسكرية بين مختلف القوى.
ويرى خبراء وقيادات جنوبية أن توحيد الجبهات لا يرتبط فقط بتصاعد المواجهات مع "أنصار الله"، وإنما يتطلب تفاهمات سياسية وعسكرية ومعالجة الملفات الخلافية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية.
وبينما يشير البعض إلى وجود فرص للمصالحة مستقبلا، يستبعد آخرون حدوثها في المدى القريب، في ظل تعدد التشكيلات العسكرية وتباين الأهداف والارتباطات الإقليمية والدولية للأطراف اليمنية.
*خلافات وتباينات*
يقول الدكتور علي عبدالله البحر، الناشط السياسي والحقوقي الجنوبي في اليمن، إن تصاعد المواجهات وحده لا يعني تلقائيا أن يقود إلى مصالحة بين الشرعية اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، خصوصا في ظل تعقيدات المشهد السياسي والعسكري وتباين مواقف الأطراف.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن "توصيف المشهد باعتباره مواجهة بين الشرعية وأنصار الله يحتاج إلى قراءة ميدانية، موضحا أن من يقاتل على الأرض في عدد من الجبهات هم في الأساس قوات جنوبية، سواء قوات العمالقة أو قوات درع الوطن، وبالتالي فإن طبيعة القوى المنخرطة في المواجهات تفرض نفسها على أي نقاش بشأن توحيد الجبهات أو إعادة ترتيب التحالفات".
وأكد البحر، أنه من المهم كذلك معالجة ملفات الخلافات والتباينات والانسحابات التي شهدتها مؤخرا بعض جبهات الساحل الغربي المحاذية لمضيق باب المندب، باعتبار أن بناء جبهة موحدة لا يرتبط فقط بالتطورات العسكرية، وإنما يحتاج إلى تفاهمات سياسية وعسكرية واضحة، واحترام خصوصية القضية الجنوبية ومطالب قواتها ومواقفها.
*ضمان دولي*
من جانبه، قال العميد وهيب بن سلم، مدير دائرة التوجيه السياسي والمعنوي للقوات المسلحة الجنوبية باليمن، إن التطورات الحالية قد تدفع نحو التنسيق بين الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، لكنها لا تضمن المصالحة، مشيرا إلى أن المفتاح هو الجمع بين تنسيق الجبهات وفتح مسار سياسي جاد لمعالجة جذور الخلاف.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن المصالحة تتطلب ضمانا دوليا، موضحا أن ما تلقته القوات الجنوبية في يناير/كانون الثاني الماضي كان مؤلما ودرسا قاسيا، ومن الصعب تحريك القوات المسلحة بمجرد اتفاقات يتم خرق مواثيقها باستخفاف.
وأكد بن سلم أن ما مضى يكفي لإثبات أنه لم يكن هناك ضامن دولي حقيقي، مضيفا أنه، رغم يقينه بأن الشرعية انتهت فعليا ولم يتبق منها سوى المسمى، فإنها تمثل واجهة لأداة خارجية تسير وفق إملاءاتها.
احتمالات المصالحة
بدوره، قال رئيس مركز القرن للدراسات في اليمن، الدكتور عبد الستار الشميري، إنه لا يعتقد أن المواجهات ستدفع نحو مصالحة مع المجلس الانتقالي في اللحظة الراهنة، خاصة أن بعض قوات المجلس الانتقالي انضوت تحت الشرعية بقيادة عضو مجلس الرئاسة المحرمي، وهي قوات العمالقة التي يشارك بعضها في الحرب.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن احتمالات المصالحة مع المجلس الانتقالي موجودة، لكن لحظتها وتوقيتها ليسا في الوقت الراهن.
وتابع الشميري أن المصالحة قد تصبح ممكنة على المدى البعيد، وفي ظل تراجع الشرعية في الجبهات وكثرة الاختراقات والمشكلات، مشيرا إلى أن المملكة ربما تتجه إلى مصالحة من هذا النوع وجمع شتات الشرعية المتناثر، الذي انضوى كله تحت الشرعية باستثناء المجلس الانتقالي.
وأضاف أن هناك مشكلات أخرى بينية، لكنه لا يعتقد أن اليمن وصل، في هذا التوقيت أو في هذا الشهر أو هذه السنة تحديدا، إلى مرحلة المصالحة.
*جولات الصراع*
وقال عبد العزيز قاسم، القيادي الجنوبي في اليمن، إن طبيعة أهداف القوى المختلفة منذ بداية الحرب وحتى اليوم كانت متناقضة ومتغيرة ومتداخلة، مشيرا إلى أن التحالفات تبدلت في مراحل مختلفة، سواء داخل العملية السياسية أو ضمن منظومة الشرعية.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن الخلافات بين مختلف القوى انعكست على مجمل الأوضاع، لافتا إلى أن المواجهات بين "أنصار الله" والحكومة الشرعية لم تتوقف، حتى وإن تراجعت حدتها في بعض الجبهات، بينما بلغت ذروتها في مناطق الساحل الغربي خلال مراحل مختلفة من الصراع.
وتابع قاسم أن السنوات الماضية شهدت مواجهات وخلافات وتباينات عميقة بين "أنصار الله" والحكومة الشرعية وكذلك بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية، التي شهدت عدة جولات من الصراع والمواجهات.
وأكد أن هذه التطورات تطرح تساؤلا حول إمكانية أن تؤدي المواجهات بين "أنصار الله" والشرعية إلى إيجاد حالة من التقارب بين المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية.
وأشار إلى أن مواجهات عدة وقعت بالفعل بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، كما جرى التوصل إلى اتفاقات متعددة، إلا أن ذلك لم يؤد حتى الآن إلى توحيد الجبهة، رغم الظروف المأساوية وحالة الضرورة التي تستوجب توحيد مختلف القوى السياسية والعسكرية والتشكيلات على اختلاف مسمياتها.
*عوائق التقارب*
أكد قاسم أن استمرار حالة التباين يعود أيضا إلى طبيعة التحالفات والارتباطات الخاصة بكل قوة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، موضحا أن عودة الانسجام بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي ينبغي أن تحدث، لكنها تظل مرتبطة بعوامل وأسباب إقليمية ودولية.
واستطرد أن التقارب بين القوى الإقليمية المعنية بالملف اليمني قد يساهم في إيجاد صيغة توافقية بين المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية، مؤكدا أنه رغم ذلك لا توجد حتى الآن بوادر واضحة على حدوث هذا التقارب.
ونوه بأن الحكومة الشرعية، رغم الضعف والهشاشة، لا تزال تواجه تعقيدات مرتبطة بتعدد التشكيلات واختلاف الأهداف، إلى جانب ضبابية التعامل مع بعض القضايا، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، وتوقف الحوار بشأن عدد من الإشكاليات السياسية.
وأوضح قاسم أن معالجة هذه القضايا تتطلب إدراكا من جانب الحكومة الشرعية والتحالف السعودي، وكذلك المجتمع الدولي، لطبيعة التعقيدات القائمة وتأثيرها على المسار السياسي.
ولفت إلى أن التقارب بين المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية يبدو في المرحلة الحالية بعيد المنال، نظرا إلى أن المناخ الداخلي في الجنوب لا يزال غير موات لمثل هذا التقارب، سواء في الوقت الراهن أو على المدى القريب.
*تهيئة الأجواء*
شدد قاسم على أن حدوث أي تقارب يتطلب تهيئة الأجواء والظروف وإزالة بعض الأسباب والعوائق التي نتجت عن التعقيدات الداخلية، والتي أثرت بصورة عميقة على المسار السياسي العام، وكذلك على مسار التحالف وعلاقات مختلف القوى داخل الجنوب.
وأشار إلى أن تصاعد الضغوط والمواجهات في ظل سيطرة "أنصار الله" على مناطق مهمة من الساحل الغربي، إلى جانب الصراع الدولي والإقليمي حول السواحل، لم يدفع حتى الآن نحو تقارب بين المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية.
وأوضح قاسم أن هناك ظروفا لا تزال تحول دون إيجاد هذا التقارب، مشيرا إلى أن القضية الجنوبية لا ترتبط بالمجلس الانتقالي وحده، وإنما تتجاوز ذلك إلى قوى أخرى، حتى وإن بدأت بعض الأطراف تتجه نحو لعب دور قريب من دور المجلس الانتقالي ضمن إطار الشرعية.
وختم بالقول إن المسألة، في نهاية المطاف، أكبر من قدرة أي قوة منفردة، بل تتجاوز مختلف القوى مجتمعة، ولا سيما في الجنوب.
