ليس هناك أخطر على المجتمعات من أولئك الذين يبيعون الوهم على أنه الحل ، ويقدّمون الكلام المعسول بدلاً من الحلول الواعية ، والشعارات الجاهزة بدلاً من الفهم العميق للقضية . ففي أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية ، يسهل خداع الناس وإغوائهم عن الصواب، ويصبح الوهم سلعة رائجة كلما غاب الوعي وضعف الحوار .
  نعيش اليوم زمناً تُختصر فيه القضايا الكبرى في عناوين سريعة ومقاطع قصيرة ، ويُطلب من الناس أن يصدقوا دون أن يسألوا .. وأن ينحازوا إلى الكراهية والعنف دون أن يفكروا . هنا تبدأ المشكلة الحقيقية ، لأن بيع الوهم لا يقوم فقط على الكذب ، بل على استغلال العاطفة وتأجيج الخوف وتغييب العقل .
  الوعي ليس معرفة نظرية ، بل هو موقف ومسؤولية اخلاقية .. هو أن نتوقف قبل التصديق ، وأن نسأل : من المستفيد؟ وما الحقيقة الكاملة؟ ، فالواقع لا يُحل بالصراخ والقوة ولا بالشعارات ولا بالوعود السهلة ، بل بالفهم والعمل والصبر.
  أما الحوار، فهو الامتحان الحقيقي لأي مجتمع . بالحوار نعترف بأن الحقيقة لا يملكها طرف واحد ، وبأن الاختلاف ليس تهديداً بل فرصة للفهم والتقارب .. الحوار يزعج من يعيشون على بيع الوهم والاسترزاق ، لأن الوهم لا يصمد أمام الأسئلة ولا يحتمل النقاش والرأي الآخر.
   قد يربح بائع الوهم جمهوراً مؤقتاً ، لكنه يخسر المستقبل . أما الوعي والحوار فهما الطريق الأصدق والافضل لبناء مجتمع مزدهر لا يُخدع بسهولة ولا يُقاد بالعاطفة والوعود البراقة.