الحوار الجنوبي–الجنوبي اصبح اختبارا حقيقيا لقدرة الجنوب على معالجة قضاياه بشكل مسؤول، وتحويلها من ملفات متفرقة الى مشروع متكامل. يتحدث الجميع عن الحوار، لكن القليل منهم يجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة: من ينبغي أن يشارك؟ وبأي معايير؟ وهل تمثيل كل الشرائح الاجتماعية شرط للنجاح، ام أن الحوار يحتاج الى نخبة متجددة تختلف عن تلك التي استهلكتها التجربة السابقة، والتي لم تستطع أن تعالج القضايا الرئيسة رغم رفع شعار التصالح والتسامح لأكثر من عقدين؟ وكيف يُدار هذا الحوار لضمان نجاحه وعدم تحوله الى إعادة إنتاج للفشل؟

في الواقع، الجنوب، بتعقيده الاجتماعي والسياسي، لا يمكن اختزاله في نخب سياسية تقليدية، كما لا يمكن إدارته بمنطق الحشود الواسعة. الدعوة الى تمثيل كافة الشرائح الاجتماعية تبدو عادلة في ظاهرها، لكنها عمليا قد تقود الى حوار واسع بلا عمق، يهيمن عليه الانفعال والخطابات العامة، ويغيب عنه التفكير الاستراتيجي. وفي المقابل، فإن حصر الحوار في دائرة السياسيين وحدهم، لا سيما اولئك الذين استهلكتهم التحالفات المتقلبة والمواقف البراغماتية، لا يعني سوى تدوير الأزمة بدل حلها.

المطلوب إذا ليس المفاضلة بين المجتمع والنخبة بل تمثيل نوعي ومتوازن: نخبة متجذرة في المجتمع، قادرة على التفكير باسمه لا التحدث نيابة عنه فقط. هنا تبرز اهمية المثقفين والأكاديميين والخبراء والقيادات المجتمعية ذات المصداقية الى جانب سياسيين حافظوا على حد ادنى من الثبات والوضوح. فالحوار ليس استفتاء شعبيا بل عملية سياسية وفكرية تهدف الى إنتاج رؤية مشتركة وقواعد شراكة قابلة للاستمرار.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التخلص من الوجوه التي احرقتها المواقف البراغماتية السابقة. فحين يتحول تبدل المواقف الى نمط دائم وتُستخدم القضية الجنوبية كورقة تفاوضية موسمية، يفقد الفاعل السياسي الثقة وهي اهم عناصر شرعيته. والحوار في جوهره، لا يمكن أن يُدار بأشخاص يحضرون لتذكير المجتمع بالإخفاق اكثر مما يفتح أفقا للمستقبل. كما ان استبعاد هذه الوجوه ليس إقصاءً، بل تنقية للمشهد، ورسالة بأن الفشل لا يُكافأ، وأن التناقض له كلفة.

غير أن حسن اختيار المشاركين لا يكفي وحده. فقد أثبتت التجارب السابقة  للحوار الجنوبي، أن غياب الآليات الواضحة كفيل بإفراغ اي حوار من مضمونه. من هنا، تبرز اهمية المرحلة التحضيرية، عبر لجنة مستقلة وتوافقية تضع معايير المشاركة، وتصوغ وثيقة مبادئ تُلزِم الجميع: لا تخوين، لا إقصاء، ولا تحويل الحوار الى منصة تفويض مفتوح. بل يجب أن تُدار العملية وفق نموذج متعدد المسارات، تتقدمه طاولة سياسية رئيسية لا تنشغل بالعموميات بل تُناط بها ملفات محددة وواضحة: تحديد طبيعة القضية الجنوبية سياسيا وقانونيا، صياغة رؤية مشتركة لشكل التمثيل الجنوبي في أي مفاوضات مقبلة، ووضع أسس العلاقة بين الجنوب ومحيطه الوطني والإقليمي، الى جانب الاتفاق على مبادئ الشراكة الداخلية وآليات إدارة الخلاف مستقبلا.

لا شك بأن مؤتمر الحوار الجنوبي سوف يتطرق إلى المظلومية التي وقعت على الجنوب، وهي معروفة وليست بحاجة الى مناقشتها، بل الأهم هو كيفية إدارة هذه المظلومية سياسيا وتحويلها الى موقف تفاوضي منظم، بعيدا عن الخطابة او تصفية الحسابات. ومن الأهمية بمكان أن تُناقش الأسئلة الجوهرية التالية من قبل اللجنة التحضيرية: من يمثل الجنوب وبأي تفويض؟ هل يتجه الحوار نحو خطاب جامع واحد ام نحو تعددية منظمة؟ وكيف يمكن منع احتكار التمثيل دون الانزلاق الى فوضى الأصوات؟ وفي هذا الإطار، يصبح الاتفاق على خطوط حمراء واضحة، لا يجوز تجاوزها باسم البراغماتية او ضغط اللحظة، شرطا اساسيا لحماية الحوار من اي انحراف عن اهدافه.

أن نجاح الحوار الجنوبي–الجنوبي لا يقاس بعدد الحاضرين ولا بضجيج الشعارات، بل بقدرته على كسر حلقة الوجوه المستهلكة، وفرض قواعد واضحة للشراكة، وإنتاج تمثيل يستمد شرعيته من الثقة لا من الأمر الواقع. واي حوار يتجنب الأسئلة الصعبة او يراهن على إعادة تدوير الفشل باسم الواقعية والمحاصصة واستدعاء الوجاهات المحروقة لن يكون سوى تكرار لأخطاء قديمة. وفي القضايا المصيرية، لا مجال لمنطق الغلبة، بل التوافق ولا الأغلبية الصماء، هو القاعدة الأكثر امانا، مع حق التحفظ وتأجيل ما لا يمكن حسمه، وربطه لاحقا بإرادة شعبية اوسع. وبهكذا حوار يؤسس المسار الجديد، وتقف لحظة الاختيار له كاختبار حقيقي: اما شجاعة التجديد  او الرهان على إدارة الوقت لتجاوز حل القضية مع تكرار خيبة الحوارات السابقة.