هل كان عليه أن يموت لنعرف أننا نحبه كل هذا الحب ؟! وانه كان طيباً كل حدود الطيبة، أنيقًا، وسيمًا،وفناناً يخترق أرواحنا بصوته،ومذيعًاوإعلاميًا ناجحًا ، وإنسانًا في منتهى الذوق والرقي في إختياراته، وعلاقاته، وصداقاته ..
 ماذا لو أنه  قبل موته الذي فجعنا به مساء الثلاثاء الماضي14إبريل 2026 في القاهرة بعد معاناة مع المرض قرأ كل ذلك الكم من المقالات، الكلمات، التي تتغنى بمنجزه الفني الغنائي والإعلامي خلال مسيرته التي امتدت أكثر من خمسين سنة صوتًا غنائيا وإعلاميًا ناجحًا بكل المقاييس، لفنان له نبرة صوت مميزة مطربًا أو مذيعًا ،عبر ميكرفون الإذاعة أو شاشة التلفزيون أو على المسرح ..نجمًا يحمل كل سمات النجومية أناقة و"كاريزما" ووسامة وخامة صوت لايختلف عليها إثنان. وإحساسا قال عنه الكاتب عوض سالم ربيع" الفنان لايغني بحنجرته بل بإحساسه ". بهذه المواصفات فرض حضوره ضمن نجوم الصف الأول : أبوبكر سالم واحمد قاسم ومحمد مرشد ناجي ، ومحمد سعد عبدالله، وفيصل علوي ، ومحمد محسن عطروش ، ومحمد عبده زيدي .وغنى غالب ألوان الطرب اليمني وخاصة الحضرمي منه، والصنعاني  واللحجي والعدني بإجادة تامة، وحجز له مقعدًا في قائمة الفنانين الكبار ، لكنه كان يجد نفسه في اللون الحضرمي الذي كان سبب شُهرته، ونجاحه منذ "ياطير ياضاوي"  التي غناها وتقبلها الجمهور ، وكان شهادة ميلاده كفنان يجمع بين الأصالة والحداثة.فهو ابن حضرموت.ولد عبدالرحمن بن عبدالله بن طاهر الحداد في مدينة المكلا، ينحدر من أسرة تعود أُصولها إلى وادي دوعن. توفي والده وهو صغير فكفله جده لأمه الشيخ سعيد صديق ، وكان والده داعية معروف.صعد الحداد المسرح لأول مرة وعمره 15 عامًا فقط ، بأغنية أبوبكر سالم بلفقيه" شلون حال الربع "، وكانت تلك جرأة وثقة من طفل أن يغني للعملاق صاحب الصوت الجبّار ..
 وحضرموت كما هو معروف لاتقدم إلاَّ الأصوات المائزة التي تترك بصمة في عالم الطرب والغناء؛الشيخ علي أبوبكرباشراحيل،والشيخ  عوض عبدالله المسلمي،والشيخ عمرغابة والشيخ محمد جمعة خان،والشيخ عبدالقادر عبدالرحمن بامخرمة ،وكلهم شيوخ طرب من العيار الثقيل .وواصل المسيرة من بعدهم:
 محمد سالم بن شامخ  وأبوبكر سالم بلفقيه، وسعيد عبدالنعيم، ، وأبوبكر التوي، وسعيد يمين ،ومحفوظ بن بريك ، وبدوي الزبير.وماعبدالرحمن الحداد  إلاّ واحد من هؤلاء ..إبن هذه الأرض الطيبة، أرض الحضارات العريقة ، والطرب الأصيل، والدان الحضرمي التي لاتكف عن العطاء لكل ماهو جميل ويترك طِيب الأثر ..
 ثم عناصر كثيرة في شخصية الفنان الراحل ساهمت في  صنع هذا النجاح أشار لها الصديق الدكتور علي عبد الكريم في نعيه :" عبدالرحمن الحداد رحلة زمن صعب، لا يأتي النجاح فيه بتأثير أو توصية، بل يأتي إبداعًا يقبله الناس وتقبله الكلمات، عبر صوت أخّاذ وروح غير متعالية؛ روح فنان يدرك عظمة الفن، ويؤمن بأن الفنان في بساطته دون تكلف أو افتعال."..و."تفرد باختياراته الفنية بعناية، وربطته علاقات حميمة بكبار الشعراء، منهم المحضار والكاف والمفلحي وبامطرف والبيض وغيرهم، وتغنى لهم بأجمل الأعمال التي خُلدت في التاريخ الفني في بلادنا والجزيرة" كما يؤكد حسن علوي السقاف.
 وإذا كان تعليمه المراحل الأولى كان في مدينته المكلا ، فإن تعليمه الجامعي كان في العراق ، ودرس الصحافة والإعلام في كلية الآداب بجامعة بغداد وتخرج بامتياز، وهي من الكليات التي معدل القبول فيها لايقل عن95% في اللغة العربية.ففي العراق وتحديدًا في مدينتي البصرة والكوفة، نشأت وتطورت قواعد اللغة العربية (النحو) ووضع الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه أسسها، مما جعل العراق مركزاً ثقافياً لغوياً.في العصر العباسي، أصبحت بغداد عاصمة للثقافة العربية،فلا غرابة أن يكون فتانا الذي درس في جامعة بغداد ، وتأصل قبلها في حضرموت، ضليعًا في العربية،مخارج حروفه سليمة ونطقه للغة غناءا وأداءا لرجل يعتمد كل الاعتماد في عمله وحياته على اللغة  مطرباً ومذيعاً . أول عمل له كان في إذاعة المكلا ، لكن بطموحه الفني والإعلامي ومؤهلاته الإعلامية والفنية سوف تستقطبه عدن ، صانعة النجوم ، مذيعاً أول في الإذاعة والتلفزيون حيث يثبت جدارته في المجالين؛الغناءوالإعلام  المرئي والمسموع على خطى من سبقوه من
 أصحاب الأصوات الاذاعية التي قدمتها حضرموت لاذاعة وتلفزيون عدن أصوات اثبتت حضورها ونجاحها لغة وصوتا وثقافة ، واستأثرت بآذان المستمعين 
 وكلهم امتلكوا مواصفات نجاح المذيع والإعلامي القائم على مزيج من الموهبة، والتدريب المستمر، والشخصية القوية (الكاريزما)، بالإضافة إلى الثقافة العامة الواسعة والتمكن من اللغة العربية ومهارات التواصل الفعال. وهذه الأسماء خير دليل : سعيد ناصر ، عبدالله عمر بلفقية، ناصر بحاح،محمد شيخ، صلاح العمودي ، صلاح بن جوهر، ، عبدالرحمن الحداد ..والأستاذ احمد عمر بن سلمان صاحب البرنامج الأشهر في إذاعة عدن والأقدم( العلم والانسان ) ، واللغة الرائية
كالتابعي واصل بن عطاء المشهورب "اللدغة"  في حرف الراء، وكان يُعرف بـ "الألثغ"، ولكنه اشتهر بفصاحته وقدرته على تجنب حرف الراء.
 جمعتني بالمرحوم عبدالرحمن الحداد صداقة امتدت من عدن وتواصلت عبر صنعاء ، وامتدت خلال محطات في دمشق والقاهرة ..هو إنسان بكل مافي الإنسان من معاني النبل والبساطة والأريحية ، لايشعرك أبدًا بأنه فنان كبير، فلا يقيم حاجزًا بينك وبينه، يعامل الجميع بنفس البساطة والتلقائية مهما كان منصبه، عرف شعراء ورؤساء ووزراء 
وإعلاميين وأناسا من كافة الطبقات والفئات ، الكل عنده سواء، وهو "القطب" بشخصيته الآسرة ولطفه وروحه الإنسانية حتى في أوقات المحن والأزمنة الصعبة دائماًيجد المشترك مع الجميع !
  آخر مرة رأيته فيها كان يتابع تجديد إقامته في مصر لدى الجهات المعنية ، وكانت آثار التعب والمرض باديتان عليه ، لكنه كان محتفظًا بوسامته وأناقته وابتسامته. تبادلنا السلام والتحيات،لم يقل كلامًا كثيرًا، لكن ماقالته عيناه كان أكثر من أي كلام ..
 - انظر يامحمد ، كيف صرنا بدون وطن ؟
 -الحمد لله توجد مصر أم الدنيا ، أمنا جميعا حين تضيق بنا الأوطان وتصبح طاردة ! 
 وبدون كلام ..
استحضرنا شاعرنا الجميل الذي قضى نحبه هو الآخر في القاهرة بعد عملية قلبه المتعب المترع بحب مصر :  "يالنهر النيل يروي كل قلب عربي" ..وكان في المجمع عرب كثيرون من سورية والسودان واليمن  والصومال وبلاد أخرى  وأفارقة..
 عزيزي لطفي نعم مازال نهر النيل يروي كل قلب عربي بعد أن جفت أنهرنا وينابيعنا وابتلعتها رمال الصحراء العربية
وأطماع القوى الأجنبية وصراعات وحروب الأخوة الأعداء..
 عزيزي عبدالرحمن ، هاهي الرحلة تصل إلى منتهاها، وذلك الوطن الذي أحببناه 
وغنيت له لازال بعيدا ، ولازال أبناؤه في
شتات الدنيا يحلمون بالعودة ويدعون له أن يتعافى..
رحمك الله يافنان المواعيد: "على ميعاد"، "تأجل الميعاد"، "يا محلى اللقاء حتى بلا ميعاد".
 ورحمنا جميعًا نحن الذين ننتظر الميعاد الذي لايتأجل !