قلة من كتبوا في السيرة الذاتية في حضرموت واليمن عامة، ويُحسب للدكتور صالح بن الشيخ أبوبكر أنه من هذه القلة. وحينما فكر أن يضع عنواناً لها لم يجد ما يناسبها ويرضيه ويستجيب لمسارها خيراً من عنوان "دفعة النّقع.. أكثر من سيرة ذاتية". والنّقع تعني ذلك المنتزه الموجود على ربوة عالية في منطقة "الديس"، وكانت يوماً ما مدرسة وسطى المكلا، تشرّف مؤلف السيرة مع دفعته الطلابية بالدراسة فيها فيما بين 1958 إلى 1962م.


قصدية العنوان
أما اللاحقة في العنوان "أكثر من سيرة ذاتية" فلها قصدية، ولم تُضف من باب الحشو أو القول المجاني من المؤلف، بل لها غاية، وغايتها التملص من التأطير داخل جنس أدبي معين، وهو "السيرة الذاتية" التي لها سماتها الخاصة وتقاليدها الفنية عند أهل الاختصاص. لكن المؤلف أراد أن يتخطى الشأن الخاص ويخوض في الشأن العام، ويعلن عن رأيه في الكثير من القضايا والأحداث والنكبات والخيبات والنكسات، ومنها نكسة 1967 وغيرها من القضايا الوطنية والعربية؛ ولذا سوّغ لعنوانه بحزمة من الأفكار.

فهذه السيرة يرى صاحبها أنها لا يمكن أن تُحشر في صندوق المذكرات السياسية، ولا هي بالشهادات التاريخية، ولا هي بالرواية الرسمية للوقائع وأحداث بعينها، ثم يقول: (إنها استعراض لحوادث الأيام وتقليب في صفحاتها من منظور واحد من "دفعة النّقع" الطلابية في الستينيات). هذه الدفعة لم يسلم بعض أفرادها من زخات نيران الحزبية والتسييس، ومع لهيب نيران السياسة تصاعد دخانها الكثيف فحجب الرؤية وضل الجميع الطريق، فوقعوا في وحل الإحباط وخيبة الآمال.


فأصبح عندهم من يسمع فيروز "الفم الذي خُلق للغناء" فهو بعثي الهوى والهوية، أما من يسمع أم كلثوم "الصوت الملحمي" فهو قومي ناصري.

ثم لم يتردد مؤلف السيرة بأن يصف سيرته بالمذكرات الشخصية، لكنه يستدرك ويقول بأنها لا تتطابق معها تماماً وتختلف عنها لأنها كتبت بأسلوب من يروي ويحكي تجربته الذاتية بعفوية، ويرى أن تجربته لا تمثله وحده، بل ربما هي صورة تعكس حياة جيله بأكمله بكل بريقها وما فيها من أفراح وأتراح، وفي السيرة كان المؤلف شاهداً على بعض الأحداث في عصره.


الأدلجة الخشنة
أما اللاحقة "أكثر من سيرة ذاتية" فقد حفزت ودفعت المؤلف إلى أن يطلق جملة من الأحكام والتقويمات على الأفراد والأنظمة والساسة، وأعلن عن رأيه في التربية في المكلا، فهي لا تكترث بتلك المرحلة المهمة التي تسمى مرحلة "الأتراب". وقال رأيه في تلك الدورات المدرسية التي تقام في وقت الإجازة الصيفية، فعلى أهميتها بالنسبة للبعض وزعمهم أنها تحفظ الأطفال والشباب من العبث وأبناء السوء، إلا أن المؤلف لا يبرئ هذه الدورات من المقاصد والشبهات الخفية التي لا يُعلن عنها في الظاهر ويتم السكوت عنها، وقد تضر هذه الدورات بذهنية الشباب المقبلين على الحياة فيقبلون على ضدها.

وحتى الجمعيات الخيرية هي الأخرى لم يبرئ اسمها من الشك، وتحدث بشفافية عن ضراوة الخصومات السياسية بين حركة القوميين وحزب البعث العربي الاشتراكي، ووصلت الخصومة بينهما إلى حد الجفاء المريع. وفي صراعهما لم يسلم الطرب والغناء من أدلجتهم الخشنة، فأصبح عندهم من يسمع فيروز "الفم الذي خُلق للغناء" فهو بعثي الهوى والهوية، أما من يسمع أم كلثوم "الصوت الملحمي" فهو قومي ناصري. هذه الشمولية المقيتة في التفكير التي تنمّط كل شيء وتدمر الوجدان والعقل والضمير في الإنسان.

وابن البلد "صالح" حرص على تزيين واجهة الواتس أب الخاص به بهذه الصفة النبيلة المحببة إلى نفسه، وربما يرى في أعماق روحه أن هذه الصفة تريحه وتحرره من العصبيات الضيقة بكل صورها، وتحرره منها، لعله يطير بها نحو المدنية والتمدن. ويعد نفسه من الدعاة لهذا العالم المدني إذ يقول: "لا مخرج لحضرموت حديثة إلا بقيام المجتمع المدني وما عدا ذلك فهو مضيعة للوقت"، ويتألم بشدة لأن المجتمع في أغلب قطاعاته أصبح (متسلفاً).


ترييف المكلا
وفي كتابه "كلام عن المكلا وأهلها"، كان منافحاً عنيداً عن مدينة المكلا التي تربى فيها وعاش فيها طفولته ومطلع شبابه، فهذه المدينة تريفت وتراجعت فيها بهجة المدنية والتحضر، وتغلبت على أهلها قيم الريف، ودُكّت معالمها الأثرية وتآكلت عماراتها البيضاء الجميلة وابتلعتها العمارات الأسمنتية المتوحشة الفاقدة للهوية. كل هذا يحدث وأهلها يتفرجون ولا يبالون، وساستها في ملذاتهم ماضون وعن الشأن العام منصرفون. وصالح من مقته وكرهه العميق للقبح دعا إلى تدريس مساق "علم الجمال" في جامعة حضرموت، لأن القبح يستفحل في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.


كتاب "دفعة النّقع" كتاب يستحق القراءة بما فيه من تجارب وأفكار ومآسٍ ومخازي الأنظمة، وتقليب بعض الصفحات لا يكفي، إذ لا بد من قراءة الكتاب من البداية إلى النهاية.

وفي سيرته الذاتية ظل أميناً في الدفاع عن خط التمدن والمدنية وقيم التسامح، ولم تسلم مرحلة الحزب الاشتراكي اليمني من نقد "ابن البلد"، فقد نال منها ولم يغفل عن ذكر صفحات من المحاسن لبعض قادتها، ولكنه حمّلها مسؤولية تجريف البنية الاقتصادية وتردي الأوضاع بصورة عامة، وبؤس المواطن أمام بأس الأيديولوجية المتهورة. وسخر من تجربة بقاء موظفي المرافق الحكومية إلى ما بعد العصر وفرض عليهم تناول وجبة الغداء في المرافق نفسها تحت عنوان "الحفاظ على ساعات العمل ورفع مستوى إنتاجيته"، لكن ما حدث كان العكس تماماً، وهذه صورة من صور فشل النظام الكثيرة التي تُنقل فيها تجارب الآخر الغريب في الجغرافيا والثقافة بنمطية ولا تراعي الخصوصية.


الهندية والصومالية
وصالح "ابن البلد" - وهي كلمة تحيل إلى الشهامة والنبل ومحبة الناس والدفاع عن الحق - هو من تربى في حافة "البلاد" التي تُعد أصل المكلا فخلّدها في كتاباته، ودوّن ذكرياته وعلاقاته مع أهلها من رفقة العمر وناسها من البسطاء من أصحاب المهن في ذلك الزمن الذي نعته بالجميل. وتحدث بمحبة ومودة عن "الجالية الصومالية"، ودفعه حبه لها بأن يتعلم لغتهم ويعاشر أهلها بسريرة صافية؛ ولنسوانها فضل تربية الأبقار وكنّ هن من يزودن أغلب مقاهي المكلا بالحليب الطازج، وهن أيضاً من تولين تربية أطفال المكلا الصغار قرب بيوتهم وفي ساحاتها، وصالح من ضمن من حظي بهذه التربية.

أما الجالية الهندية فقد تغزل فيها وأشاد بنزعة التسامح عندهم واستعدادهم الطيب لمعاشرة الآخر الحضرمي بأريحية ومن دون حساسية، متخطين الاختلاف معهم في العرق والدين والثقافة. والهنود هم من فتحوا بوابة العصر لأهل المكلا ومنها دخلوا في أغلب الوكالات التجارية التي في البداية كانت محسوبة لهم؛ لتمكنهم من الحديث باللغة الإنجليزية، فهم من يستورد ويصدّر، وهم من باعوا مادة الكيروسين لأهل المكلا وعلموهم حلاقة الشعر بقصات أنيقة أو ما يطلق عليها "التالو"، وتعلم أهل المكلا صياغة الذهب على أيديهم بحرفنة وفنية، وتعرّف أهل المكلا من الهنود على المطبخ الهندي المشحون بالبهارات والفلفل الحار، وخبز الطاوة (البراوطة) والزربيان والوقلة وغيرها من المقليات، وتعرفوا على طريقة أفراحهم في الزواج وسمعوا طبولهم وأبواق النفخ عندهم، وغيرها من المباهج، وكانوا لا يترددون في دخول "الحسينية" ليتذوقوا "اللقمة الحارة".

إن كتاب "دفعة النّقع" كتاب يستحق القراءة بما فيه من تجارب وأفكار ومآسٍ ومخازي الأنظمة، وتقليب بعض الصفحات لا يكفي، إذ لا بد من قراءة الكتاب من البداية إلى النهاية. ويعد الكتاب من الكتب الكبيرة، ومؤلفه برهن على خطأ تلك المقولة التي تذهب إلى أن "الكتاب الكبير شر كبير"، فهي ليست صحيحة على الدوام ولا تنطبق على كتابه.