توظيف القبيلة للمصالح.. مواثيق لا تصنع الولاء
ليست المشكلة في الأعراف القبلية اليمنية، التي يفترض أن تكون مرجعاً لحل النزاعات وحماية الحقوق واصلاح ذات البين، بل في توظيفها من بعض القيادات القبلية لخدمة مصالحها الخاصة، وتحويل مكانة القبيلة وثقلها الاجتماعي الى ادوات للمساومة على الدولة وابتزازها، بعيداً عن مصالح ابنائها وحقوقهم.
فثمة نمط متكرر في علاقة بعض القوى القبلية بالسلطة؛ تكون عوناً لها حين تتدفق الاموال والاسلحة، وتتحول الى مصدر تهديد حين تتقلص العطايا او تتعثر الالتزامات المالية. وقد وصل الامر في بعض الحالات الى قطع الطرق واختطاف الاجانب واستخدامهم اوراقاً للضغط على الحكومة وانتزاع المكاسب. وهكذا تصبح القبيلة، بابنائها وثقلها الاجتماعي، أداة في يد من يتحدثون باسمها؛ شرطياً مع السلطة حين تدفع، ومصدر تهديد لها حين تتوقف عن الدفع.
هذا السلوك ليس عارضا، بل تكشفه محطات من التاريخ اليمني الحديث؛ فمنذ ثورة 26 سبتمبر 1962، ظهرت ازدواجية الولاءات لدى بعض القبائل بين الجمهورية والملكية، مروراً بمواجهات الجبهة الوطنية مع نظام صالح، حين تحولت الاسلحة والمساعدات المخصصة للمواجهة لدى بعض الاطراف الى أدوات للمساومة، وصولاً الى حرب 1994، التي شاركت فيها مجاميع قبلية انتهى بها المطاف الى نهب ممتلكات عدن ومحلاتها التجارية.
اما في عام 2015، فقد حضرت وفود قبلية الى الرياض تحت عنوان مساندة الشرعية، وحصلت على امتيازات ومكاسب واسعة، لكن تبدل موازين القوة في جبهات المواجهة كشف هشاشة كثير من تلك الولاءات، مع انتقال بعض القوى الى التفاهم مع الحوثيين.
لذلك، لا تكمن قيمة ميثاق الشرف القبلي في عدد المشاركين او حجم الإنفاق على استضافتهم، بل في مدى التزام من يتصدرون المشهد القبلي بمضامينه، وترجمتها الى مواقف تحمي الدولة وتصون حقوق ابناء القبائل. وكان الأجدر توجيه الأموال التي أانفقت على نحو 500 مشارك لدعم النازحين والجرحى وأسر المرابطين في الجبهات.
إن اليمن لا يحتاج إلى مواثيق جديدة تضاف إلى ارشيف البيانات والعهود، بقدر حاجته الى مواقف تثبتها الافعال، وولاء لا تحدده الاموال، وقيادات قبلية تجعل من اعرافها سنداً للدولة وحماية للمجتمع، لا وسيلة لتحقيق المصالح وابتزاز السلطة. فالشرف لا تصنعه المواثيق، وانما تصونه المواقف.