قوات الهجرة الفدرالية "آيس" تنشر الرعب في الولايات المتحدة وتحدث شرخا داخل المجتمع

   في أعقاب عمليتي إطلاق نار في مينيابوليس الأمريكية، يتزايد الانطباع يوما بعد يوم لدى خبراء القانون والسياسية وحتى عامة الشعب بأن إدارة الهجرة الأمريكية ودوريات الحدود تعملان بتهور وتتجاوزان القانون بدون خوف من تبعات ذلك. وكان ضباط فيدراليون قد أطلقوا النار على رينيه جود في 7 يناير، وأليكس بريتي في 24 يناير وأردوهما قتيلين. غير أن إدارة دونالد ترامب دأبت على الدفاع عن عناصر قوات الهجرة حتى عند اعتقالهم مواطنين أمريكيين ومهاجرين شرعيين بقوة مفرطة، واقتحامهم البيوت والسيارات بدون أوامر قضائية، واستخدام العنف الشديد ضد المتظاهرين.


🔸يقف عناصر إدارة الهجرة والجمارك بجانب صبي، عرّفه أحد الشهود بأنه ليام كونيخو راموس، وهو طفل يبلغ من العمر خمس سنوات، قال مسؤولو المدرسة إنه تم احتجازه في مينيابوليس، مينيسوتا، الولايات المتحدة، في 20 يناير 2026. © رويترز

تشهد الولايات المتحدة منذ عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض قبل عام أشد حملة قمع للهجرة منذ عقود. وتضاعف عدد عناصر شرطة الهجرة الفدرالية المعروفة باسم "آيس" ليصل تعداد هذا الجهاز إلى نحو 22 ألف عنصر، مستفيدا من ميزانية سنوية تقارب 8 مليارات دولار.

وكنتيجة مباشرة لهذا التوسع، ارتفع وبشكل غير مسبوق عدد الاعتقالات وعمليات ترحيل المهاجرين ما تسبب حتى في حصول وفيات نتيجة إفراط هذه القوات الفدرالية في استخدام القوة، وهو ما أثار صدمة واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

🔹قوات "آيس": صلاحيات غير مسبوقة

يعود ظهور جهاز الهجرة الفدرالية الذي يعرف باسم " آيس" إلى عام 2002، عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول. وكانت مهمته الأصلية مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة البشر وتبييض الأموال. غير أن أولويات الجهاز تغيّرت بشكل جذري منذ يناير/كانون الثاني 2025، تزامنا مع عودة دونالد ترامب إلى السلطة.

وأصبح تركيز هذه العناصر منصبا على ملاحقة المهاجرين المقيمين بشكل غير قانوني داخل الأراضي الأمريكية وليس عند الحدود كما هو متعارف عليه مع مثل هذه الأجهزة المتخصصة في الهجرة. من بين أخطر التحوّلات التي منحت لهذه القوات، اعتماد مذكرة رسمية تسمح لها بدخول البيوت بدون إذن قضائي. وهي مذكرة تتجاهل الحماية التي يكفلها التعديل الرابع للدستور الأمريكي، والذي يمنع التفتيش والاقتحام التعسفي.

في السابق، كانت الاعتقالات تستند لقرارات إدارية لا تسمح بدخول البيوت، غير أن هذا القيد القانوني أُلغي فعليا. وتعتمد عمليات عناصر "آيس" بشكل كبير نظريا على التعاون مع الشرطة المحلية، مستفيدة من برنامج يتيح لها تنفيذ قوانين الهجرة واعتقال الأشخاص بسبب وضعهم كمهاجرين غير قانونيين.

وتشهد المدن الأمريكية الكبرى مثل نيويورك ومينيابوليس ولوس أنجلس وشيكاجو عمليات مداهمة سريعة ينفذها عناصر ملثمون في الغالب، يُنقل بعدها المعتقلون إلى مراكز احتجاز قبل ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية.

🔹أزمة في الأفق بين المؤسسات الأمريكية العليا

غير أن التوترات بين السلطات المحلية والفدرالية تتفاقم. فقد اتهمت شرطة مينيابوليس عناصر من وكالة الهجرة الفدرالية بمحاولة تزييف أدلة وقرائن بعد مقتل الممرض أليكس بريتي على يد عناصر من "آيس" السبت الماضي. وذلك خوفا من تغيير مسار التحقيق خصوصا بعد ادعاء هذه العناصر أن مقتل هذا المواطن الأمريكي بعد إصابته بنحو عشر طلقات نارية كان في إطار الدفاع عن النفس غير أن حاكم ولاية مينيسوتا تيم والز صرح بأن هذه الادعاءات هي "محض أكاذيب".

لا تزال الوقائع المحيطة بإطلاق النار على أليكس بريتي محل خلاف حاد بين السلطات المحلية والفدرالية. ففي حين دافعت وزارة الأمن الداخلي عن عناصر "آيس"، مؤكدة أن الضحية كان يحمل سلاحا، نفت الشرطة المحلية ذلك وأوضحت أن السلاح كان مرخصا قانونيا وأنه لم يكن في حوزته لحظة إطلاق النار. كما أكدت العائلة أنه لم يكن معروفا عنه حمل السلاح رغم امتلاكه ترخيصا.

وحتى عقب مقتل الأمريكية رينيه نيكول جود برصاص أحد عناصر "آيس" في مينيابوليس في 7 يناير/كانون الثاني 2026، فرضت القاضية الفيدرالية في مينيسوتا كيت مينينديز قيودا على عمليات وكالة الهجرة، حيث أصبح يُمنع العناصر الفيدراليون من اعتقال أو احتجاز المتظاهرين في سياراتهم إلا إذا كانوا "يعرقلون" عملهم، كما تم منع استخدام الغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين السلميين.

وبحسب الأرقام الرسمية، فقد تم تسجيل أكثر من 605 آلاف عملية ترحيل ما بين يناير/كانون الثاني وديسمبر/كانون الأول 2025، إضافة إلى إرسال نحو 65 ألف شخص إلى مراكز الاحتجاز. كما اضطر حوالي 1.9 مليون شخص إلى مغادرة البلاد طوعا تحت ضغط التهديدات والملاحقات، فيما عُرف بـ"الترحيل الذاتي".

🔹المقاومة الشعبية في مواجهة "آيس"؟

في المقابل، ظهرت أشكال جديدة من المقاومة يمكن وصفها بأنها شعبية، حيث يقوم متطوعون بتوثيق الاعتقالات، وتحذير السكان من المداهمات، ومحاولة عرقلة العمليات بوسائل سلمية ومبتكرة. وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بالفيديوهات التي توثق هذه الأنشطة.

كما ظهرت مؤخرا فيديوهات لناشطين يقولون إنهم من مجموعة "بلاك بانتارز"، وهي حركة ثورية ظهرت في عام 1966 في كاليفورنيا لمكافحة العنف العنصري. وظهر ناشطون مسلحون في مدينة فيلادلفيا للاحتجاج على عمليات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية. ولوّحوا بالأسلحة النارية أمام مبنى البلدية احتجاجا على "آيس".

الانتقادات ضد قوات "آيس" لم تعد تأتي من الديمقراطيين أو منظمات المجتمع المدني فحسب، بل بدأت تطال حتى بعض الدوائر المحافظة التي حذّرت من أن هذه الممارسات تضرب الحريات الأساسية وتدفع الولايات المتحدة نحو تصادم غير مسبوق.

وبدأت أساليب هذه القوات تثير انتقادات وغضب حتى داخل المعسكر الجمهوري نفسه. حتى أن بودكاست جو روجان الشهير واسمه "ذو جو روجان إكسبرينس"، أثار جدلا واسعا عندما حذر علنا من أن البلاد تتجه لتصبح مثل ألمانيا النازية، من خلال مقارنة عناصر "آيس" بشرطة "الجيستابو"، الذراع القوية لأدولف هتلر.

🔹غليان الرأي العام

الصور والشهادات التي تظهر عنف المداهمات أججت الرأي العام، خصوصا بعد نشر وسائل إعلام صورة طفل عمره خمس سنوات قيل إنه نُقل إلى مركز احتجاز في تكساس خلال إحدى عمليات "آيس". هذه الوقائع أعادت النقاش حول حدود استخدام القوة، حتى داخل الأوساط الداعمة تقليديا لهذه السياسات والأجهزة.

ولئن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إدارته "تراجع كل شيء"، لكنه لم يحدد جدولا زمنيا واضحا، بل اكتفى بالتعبير عن رفضه لإطلاق النار عموما. ويواجه البيت الأبيض ضغوطا متزايدة من شخصيات جمهورية بارزة، انضمت إلى شخصيات ديمقراطية كالرئيسين السابقين باراك أوباما وبيل كلينتون، تطالب بتحقيقات مستقلة في أساليب العناصر الفدراليين المتخصصين بالهجرة.

المصدر: France 24