العليمي .. .. وتشخيص العلة المزمنة في إدارة الدولة
في لحظة لافتة وصريحة ، قال الرئيس د. رشاد العليمي أمام الحكومة السابقة عبارة تختصر كثيراً من علل الإدارة في واقعنا : « الدولة ما تُدار في مقيل القات .. الدولة تُدار في غرف مغلقة واجتماعات رسمية ».. هو كلام يستحق التوقف عنده طويلاً ، لا بوصفه نقداً عابراً ، بل تشخيصاً دقيقاً لخلل مزمن في ثقافة إدارة الشأن العام .
لقد أصاب الرئيس كبد الحقيقة ؛ فالدولة ، بكل ما تحمله من سيادة وأمن ومصالح عليا، لا يمكن أن تُدار في مجالس مفتوحة تجمع القريب والبعيد، الصديق والعابر، مدير المكتب والسائق، حيث تختلط الأحاديث الخاصة بالمسائل الحساسة ، وتغيب الحدود بين ما هو شخصي وما هو وطني في مثل هذه المجالس ، وتحت تأثير نشوة القات، تنفلت الألسن، وتُقال أشياء لا ينبغي أن تُقال ، فتتسرب أسرار، وتُكشف خطط ، وتُناقش قضايا مصيرية في بيئة لا تتوفر فيها أدنى معايير السرية والمسؤولية.
كم من قضية عامة جرى تداولها في تلك المجالس وكأنها حديث عابر، وكم من قرار أو توجه أو معلومة حساسة خرجت من إطارها المؤسسي لتتحول إلى مادة للثرثرة والتأويل . والنتيجة ، في كثير من الأحيان ، كانت إضراراً مباشراً بسياسات الدولة، وتشويشاً على قطاعاتها الاقتصادية ، وإضعافاً لمكانتها وهيبتها، فضلاً عن تعريض مصالحها للخطر .
إن إدارة الدول ليست عملاً ارتجالياً ولا نشاطاً اجتماعياً، بل هي منظومة مؤسسية تقوم على الانضباط ، والتدرج ، وتحديد الصلاحيات ، وحفظ الأسرار. ان غرف الاجتماعات المغلقة ليست ترفاً بروتوكولياً، بل هي ضرورة تفرضها طبيعة المسؤولية والسيادة ، واحترام الدولة لنفسها قبل أن تطالب الآخرين باحترامها.
كلام الرئيس العليمي ، في جوهره ، دعوة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمؤسسة، لا كمجلس، وكمنظومة عمل، لا كجلسة مقيل . وهو تذكير بأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بتغيير القوانين أو الأشخاص، بل بتغيير الثقافة السائدة في إدارة الشأن العام، والانتقال من العفوية الضارة إلى الاحتراف المسؤول .
فالدولة التي تُدار في المقيل، دولة مكشوفة، أما الدولة التي تُدار في مؤسساتها، فهي دولة قادرة على حماية نفسها، وصون أسرارها، وبناء سياساتها على أسس رصينة تخدم حاضرها ومستقبلها.