صوت عدن / متابعات صحفية : 

كشفت دراسة بحثية عن أبعاد استراتيجية الإمارات العربية المتحدة في استخدام شبكات الوكلاء  في كل من اليمن والسودان ، معتبرة أن هذا النهج يتجاوز مجرد التدخل العسكري التقليدي إلى كونه أداة رئيسية لإسقاط القوة وصياغة هوية الدولة الإماراتية كلاعب إقليمي مهيمن.
وأوضحت الدراسة الصادرة عن مجلة شيكاغو للسياسة الخارجية أن اليمن مثل الساحة الأبرز التي طبقت فيها أبوظبي نموذج بناء القوات الموازية .. فيما يلي نص الدراسة:

في السودان واليمن يشتعل نوعان مختلفان تمامًا من الصراع. ففي السودان، اندلعت حرب أهلية دامية نتيجةً للانقسامات داخل الفصائل العسكرية، والتي حلت محلها انقسامات ناجمة عن صراعات عرقية سابقة. أما في اليمن فقد انقلبت جماعات قبلية منبوذة على الحكومة المعترف بها دوليًا في الشمال بينما أدت مظالم تفكك النظام الشيوعي القديم في الجنوب إلى حكم انفصالي. وتبرز أوجه تشابه رئيسية: فكلتا الدولتين ناطقة بالعربية، وكلا الحربين تتسم بدعم الإمارات العربية المتحدة لجهات فاعلة غير حكومية. وتشارك الإمارات العربية المتحدة، الواقعة في الخليج العربي بعيدًا عن النيل وخليج عدن، في هذه الصراعات، لكن يبقى التساؤل قائمًا حول السبب.
يرى الواقعيون البنيويون أن الدول تسعى إلى الأمن. والأمن مصطلحٌ ذو دلالاتٍ متعددة ويصعب تعريفه، وقد تصوّره العديد من المنظرين بشكلٍ مختلف. يجادل جون ميرشايمر في كتابه "مأساة سياسات القوى العظمى" بأن الدول تسعى إلى الأمن من خلال الهيمنة الإقليمية، وتراكم الثروة، والقوة البرية، والتفوق النووي. ورغم أن تحركات الإمارات العربية المتحدة لتعزيز نفوذها في السودان واليمن يمكن تفسيرها بالسعي إلى الهيمنة الإقليمية والثروة، إلا أن هذه النظرية تغفل آليةً إضافيةً تُملي السياسة الخارجية للدولة، ألا وهي ضمان هوية دولة مستقلة من خلال التدخل في النزاعات والتأثير فيها.
يهدف انخراط الإمارات العربية المتحدة في هذه الصراعات بالدرجة الأولى إلى بسط نفوذها خارج نطاق مجلس التعاون الخليجي، مما يعكس ممارسة تراكمية لبناء هوية الدولة، تمنعها من الذوبان في اللعبة السياسية الخليجية والعربية الأوسع، وتتجاوز كونها مجرد اتحاد إمارات. ومن خلال حشد الوكلاء والعملاء في العالم العربي عبر دعم الفصائل المتناحرة، تسعى الإمارات إلى تحقيق هيمنة إقليمية، وبالتالي ضمان استمرار سيادتها. ويُعدّ هذا العمل الحثيث لتعزيز النفوذ الإماراتي سمةً بارزةً في البعد الواقعي الهجومي لاستراتيجية الإمارات الخارجية، إلا أن الاعتبارات الوجودية والهوية التي تواجهها الإمارات تُسهم أيضاً في توجيه خطواتها نحو تحقيق استقلالها والحفاظ عليه.
زاوية الهوية وتعظيم بسط النفوذ كدولة خليجية:
تقع الإمارات العربية المتحدة على حافة شبه الجزيرة العربية في الخليج العربي، وتواجه بلا شكّ حقائق جيوسياسية تُثير القلق في دولة ذات سيادة تسعى إلى ضمان استمراريتها. فالإمارات محصورة بين قوتين إقليميتين متوترتين للغاية: السعودية وإيران. وبعيدًا عن المخاطر الوجودية الجسيمة التي يُشكّلها هذا الصراع، تُعدّ الإمارات أيضًا جزءًا من مجلس التعاون الخليجي، الإطار الإقليمي الذي يضمّ الممالك العربية في الخليج العربي: الكويت، السعودية، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عُمان. ومن بين هذه الدول، استحوذت السعودية، بلا منازع، على الحصة الأكبر من النفوذ الاقتصادي والعسكري والسياسي. وفي تحليل للديناميكيات المتغيرة داخل مجلس التعاون الخليجي، يرى شهباز وحسنيان أن هيمنة السعودية على المجلس مكّنتها في الماضي من اتخاذ قرارات السياسة الخارجية والتفاوض بشأنها نيابةً عن المجموعة؛ بينما تُحرز قطر وعُمان والإمارات العربية المتحدة تقدمًا ملحوظًا في العقود الأخيرة في سبيل تحقيق مصالحها في السياسة الخارجية في مواجهة هذا التوجه العام للهيمنة السعودية.
هناك اتجاهان، في حالة الإمارات العربية المتحدة، يفسران سبب عدم استسلام الدولة ببساطة لهذا الموقع الهامشي في مجلس التعاون الخليجي، وخضوعها بشكل أو بآخر للدولة السعودية. يتمثل أحدهما في القلق الذي وصفه الواقعيون البنيويون المذكورون آنفًا: إذا كانت القوة تضمن أمن الدولة في نظام فوضوي، وكانت القوة نسبية وتنافسية، فإن الدور البارز للسعودية في مجلس التعاون الخليجي يقلل من قوة الإمارات، وبالتالي يُزعزع استقرارها الوجودي. يصبح مجلس التعاون الخليجي، بوصفه الوسيلة التي تُمارس فيها ديناميكية القوة هذه، وجهة غير مرغوبة للدولة، وقد تنظر الدولة، الساعية إلى الأمن، في خيارات بديلة، مثل السعي إلى الهيمنة الإقليمية وتكديس الثروة لموازنة "تهديد" قوة الدول الأخرى في نظام المكاسب النسبية. على هذا النحو، تُحفز الإمارات العربية المتحدة على إنشاء شبكات إقليمية تدعم تحولها الناشئ نحو الهيمنة الإقليمية.
قد يفسر هذا سبب سعي الإمارات إلى استراتيجية الهيمنة الإقليمية، لكن لا تزال هناك ثغرات في الصورة الكاملة. فهو لا يفسر لماذا لم تتبع دول أخرى أصغر في مجلس التعاون الخليجي، مثل الكويت والبحرين، استراتيجية مماثلة لبناء محاور أو غيرها من أشكال تعظيم النفوذ. ما يدفع الإمارات في هذا الاتجاه هو سعيها إلى بناء هوية دولة مستقلة عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي.