(مَخْلَفْ صُعِيْب...)!! 
فراقكَ أصعب!!، والأشد صعوبةً الكتابة عنكَ!! 
أسائل نفْسي الآن، وهي تُجدد الأحزان:
لماذا نكتبُ عن الأحباب
بعد الغياب؟!، 
لماذا نتذكرهم في مواسم البُكاء؟! 
ونُقيم لهم كل مرة سرادق العَزاء؟!،
لماذا لانَحتفي كما ينبغي بيوم وفُودهم للحياة؟! 
أليس ذلك أجمل، وأحب، وأرحم؟!! 
كُثرٌ هم الأعزاء الذين كنتُ قريباً منهم، ولصيقاً بهم، وكانوابحق شيئاً كبيراً في حياتي، كانوا معنىٌ بليغاً في تفاصيل تكوّيني!، 
اليومَ،الآن تَكْوِيني مرارة فَقْدهم، وأجدني وحيداًمن دونهم، لاطعمَ للحياة مِنْ بَعدهم!!، 
لذلك أتجنبُ الكتابة عنهم، لأنها شاقة وعسيرة، عصية وبها غير القليل من(الأنا)!!.
فهل يمكنُ للمرء أن يتحدث عن الآخَرين الأقربين دون أن يكون هوالوجهَ الآخَر لعُملة حديث محمول علىٰ أشجان الذكريات والزمان؟!! 
يصعُبُ ذلك،كما يصعب الحديث عن الغناء اليمني دون أن يكون (أبوعلي)في صدارته ،كما في كل تفاصيله،وهنا:
يختلُ إيقاع الكلام إن غابَ(المرشدي) !!
يضطربُ اللحنُ دون أن (يُودَوزنَ)علىٰ أناملهِ!!.
إنه (المرشدي)المُرشد والمعلم،والمثقَف،والمثقِف الفنان،والإنسان العبقري!!
كيف يتسنىٰ لكِ البوحُ يانفْسي بما فيكِ؟!!
فالذي داخلي كثير، كثير!! :
حزن،وشجن،وحضور في الغياب،وغياب لايْشبِههُ أي غياب!!
هل يستطيع أحدٌ أن يَنسىٰ ماقدمهُ هذاالعملاق علىٰ مدىٰ مايُناهز الستين عاماً من العمل الدؤوب، والعطاء (الطروب)،والبذل السخي،والعشق الذي،لاينتهي لوطن اسمهُ (اليمن) ،ولفنٍ هو الغناء،وأيُّ غناء كان له،وعلىٰ يديه،ومِنْ قلبهِ،ووجدانه ،وكأني به يَحملَ بينَ جوانحه قَلْبَ نَبي!!
سيصبح كلُّ حديث مهما طالَ قاصراً لايطالُ هامةَ الرجل، فضلاً عن أن الحديث التقليدي في هكذا أحوال لايُضيف جديداً !!
إن القول بأنه كان فناناً وملحناً ،مطرباً ،ومؤدياً من طراز نادر لايتكرر!! (هذا ليس بالجديد). 
*قدمَ ألوان الغناء اليمني، بشموليتها، وتنويعاتها،وعَبَرَ بالأغنية اليمنية إلىٰ الآفاق العربية، (هذا أيضاً ليس بالجديد)!! 
أبدعَ في كلِّ ماقدمَ مِنْ فصيح الغناء، والعامي منه، (ليس جديداً)!!
إذن دعوني أنحو بالحديث عنه من خلال محاولة الإحاطة بمزاياه الفريدة فعلاً ،بوصفهِ :المُثقَف، والمُثقِف، والإنسان  الذي يُعبرُ عن إنسانيته بشكل مختلفٍ أيضاً !!
الحق، كل الحق لم يتيسر لي أن أقفَ علىٰ فنان، أومطرب يمني كان على درجةٍ مِنَ الوعي، والإطلاع، والثقافة، كما كان  حظُ الأستاذ :(المُرْشِد)!!،ويعرف كلُّ مَنْ عاش قريباً منه أنه قارئ نَهِم يأتي علىٰ كل ماتقع عليه عيناه بعنايةٍ خبيرة، وبوعي بصير، فهو قارئ مُقتدر للتراث العربي:نثره، وشَّعره، وتاريخه، وأصوله، وفروعه، تجلياته، وتنوعاته، وكان يتعاطىٰ ذلك كله علىٰ نحومُذهل، ومدهش! ومن حُسن طالعي أن كانتْ لي معه في هذا المضمار(وقفات، لاوقفة واحدة)!!. 
ذاتَ مرّة هاتفني الأستاذ، قال بعد السلام، والتحية:(ياولَيْد) أنا مسافر إلىٰ (الكويت) لتجديد بعض الأغنيات، هل عندك النِّصّ الكامل لِ (أراكَ طروباً ليزيد ابن معاوية) ؟؟،وأرفدُهُ بما طَلبَ دون إبطاء،ويُهاتُفتي ليؤكدَ لي استلام المطلوب، وبحنانهِ الأبوي المعهود 
يقول:(شكراً ابني الحبيب، ربنا يخليك يا(ولَيْد)!!وأراهُ(طروباً)!!
وذاتَ مَقيلٍ عنده، في بيته العامر نتجاذبُ أطرافَ حديث شهي، شجي حول صحة نسبة (نهج البلاغة) للإمام كرَّمَ الله وجهه، ورضي عنه (علي ابن أبي طالب)، ولاأحد يستطيع إثبات، أونفي، أوالقطع بالامر!!. 
لكنني كنتُ سعيداً بكل تأكيد بهذه المُثاقَفة (المرشدية) مع أستاذي، ومرشدي :(أبوعلي)!.

وهكذا تكون العلاقة مع الكبار، لقد كان الأستاذ:(محمد مرشد ناجي) كما عرفته كبيراً في كل شيئ، 
كيف؟؟
في محاولة للإجابة عن هذا السؤال  دعوني أُطلقُ لنفْسي العنان لتمضي مع تداعيات اللحظة دون شروط، أوقيود، وأقول:
كان كاتباً، ومؤرخاً للغناء اليمني لاغنىً لأي باحث من الرجوع إليه، فكِتاباهُ (أغانيننا الشعبية)، و(مشاهير الغناء اليمني، قديمه، وحديثه) مرجعان مهمان للمكتبة اليمنية،بل و العربية أيضاً!! 
شرفتُ لسنوات بتبادل بعض العناوين معه من نفيس مدخرات المكتبة اليمنية والعربية، وخاصة ماكان على صلة بالتراث، وكان لي أن حظيتُ بذلك، رغم فارق المستويين:الثقافي، والعمري، فهو الأستاذ الذي لايُشقُ له غبار، وأنا (الولَيْد) كما كان يحلو له أن يداعبني، بهذه المناداة الحميمة الحبيبة!! 
**كنا نتفقُ كثيراً،ونختلفُ قليلاً،ونحن نناقشُ هذا أوذاك من الكتب، والمراجع، وعندماأختلفُ معه، يصرخُ الكبير(أبوعلي) :(عندك دليل ياولَيْد)؟؟!،ويُحيلنا النقاشُ العميق إلىٰ الاتفاق في كثير من الأحايين بحضور الدليل! 
ولكن بالضرورة وبالتأكيد يبقىٰ هو الأستاذ، وأنا كما أحبُّ أن أسمعها منه(الولَيْد)!!  
(أتابعُ الحديث في، مرة قادمة، ووقفات أخرىٰ ،و(قطفات) أشهىٰ من دوح علاقتي بالراحل الكبير(الأستاذ محمد مرشد ناجي)!!.